وهبة الزحيلي
16
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
يضع حافره عند منتهى طرفه - قال : فركبته حتى أتيت بيت المقدس ، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ، ثم دخلت المسجد ، فصليت فيه ركعتين ، ثم خرجت ، فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر ، وإناء من لبن ، فاخترت اللبن ، فقال جبريل عليه السلام : اخترت الفطرة ، ثم عرج بنا إلى السماء . . » الحديث . و روى مسلم أيضا حديثا آخر عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم صلى بالأنبياء عليهم السلام وفيه : « . . فأممتهم ، فلما فرغت من الصلاة ، قال لي قائل : يا محمد ، هذا مالك صاحب النار ، فسلّم عليه ، فالتفت إليه ، فبدأني بالسلام » . 2 - كان الإسراء بالروح والجسد يقظة راكبا البراق ، لا في الرؤيا والمنام ، بدليل نص الآية بِعَبْدِهِ وهو مجموع الروح والجسد ، ولو كان مناما لقال : « بروح عبده » ولم يقل : بِعَبْدِهِ ، وقوله تعالى : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [ النجم 53 / 17 ] يدل على ذلك ، ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة ، ولما قالت له أم هانئ : لا تحدّث الناس فيكذبوك ، ولا فضّل أبو بكر بالتصديق ، ولما أمكن قريشا التشنيع والتكذيب ، وقد كذبته قريش فيما أخبر به ، حتى ارتدّ أقوام كانوا آمنوا ، فلو كان بالرؤيا لم يستنكر « 1 » . وأما المعراج أو العروج إلى السماوات وإلى ما فوق العرش ، فلا تدل هذه الآية عليه ، وإنما تدل عليه أوائل سورة النجم « 2 » . والخلاصة : إن تلك الرؤيا لمحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم كانت رؤيا عيان ، لا رؤيا منام .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 10 / 208 - 209 . ( 2 ) تفسير الرازي : 20 / 153 .